الآلوسي

205

تفسير الآلوسي

النوع حتى لا يصح إطلاقه على أزواج الجنة لخلودهم فيها واستغنائهم عن الأولاد ، على أن بعضهم صحح التوالد فيها وروى آثاراً في ذلك لكن على وجه يليق بذلك المقام ، وذكر بعضهم أن الأولاد روحانيون والله قادر على ما يشاء . ومعنى كونها مطهرة أن الله سبحانه نزههن عن كل ما يشينهن ، فإن كن من الحور كما روي عن عبد الله فمعنى التطهر خلقهن على الطهارة لم يعلق بهن دنس ذاتي ولا خارجي ، وإن كن من بني آدم كما روي عن الحسن : " من عجائزكم الرمص الغمص يصرن شواب " فالمراد إذهاب كل شين عنهن من العيوب الذاتية وغيرها . والتطهير كما قال الراغب يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعاً ، فيكون عاماً هنا بقرينة مقام المدح لا مطلقاً منصرفاً إلى الكامل ، وكمال التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل ، فإن المعهود من إرادة الكامل إرادة أعلى أفراده لا الجميع ، وقرأ زيد بن علي ( مطهرات ) بناءً على طهرن لا طهرت كما في الأولى ولعلها أولى استعمالاً ، وإن كان الكل فصيحاً لأنهم قالوا : جمع ما لا يعقل إما أن يكون جمع قلة أو كثرة ، فإن كان جمع كثرة فمجىء الضمير على حد ضمير الواحدة أولى من مجيئه على حد ضمير الغائبات ، وإن كان جمع قلة فالعكس ، وكذلك إذا كان ضميراً عائداً على جمع العاقلات الأولى فيه النون دون التاء ك‍ * ( بلغن أجلهن ) * ( البقرة : 234 ) و * ( يرضعن أولادهن ) * ( البقرة : 233 ) ولم يفرقوا في هذا بين جمع القلة والكثرة ، ومجىء هذه الصفة مبينة للمفعول ، ولم تأت طاهرة وصف من طهر بالفتح على الأفصح ، أو طهر بالضم ، وعلى الأول قياس ، وعلى الثاني شاذ للتفخيم لأنه أفهم أن لها مطهراً وليس سوى الله تعالى ، وكيف يصف الواصفون من طهره الرب سبحانه ؟ ! وقرأ عبيد بن عمير : * ( مطهرة ) * وأصله متطهرة فأدغم ، ولما ذكر سبحانه وتعالى مسكن المؤمنين ومطعمهم ومنكحهم ؛ وكانت هذه الملاذ لا تبلغ درجة الكمال مع خوف الزوال ولذلك قيل : أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالاً أعقب ذلك بما يزيل ما ينغص إنعامه من ذكر الخلود في دار الكرامة ، والخلود عند المعتزلة البقاء الدائم الذي لا ينقطع ، وعندنا البقاء الطويل انقطع أو لم ينقطع ، واستعماله في المكث الدائم من حيث إنه مكث طويل لا من حيث خصوصه حقيقة وهو المراد هنا ، وقد شهدت له الآيات والسنن ، والجهمية يزعمون أن الجنة وأهلها يفنيان وكذا النار وأصحابها ، والذي دعاهم إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأول والآخر ، والأولية تقدمه على جميع المخلوقات ، والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء السوي ، ولو بقيت الجنة وأهلها كان فيه تشبيه لمن لا شبيه له سبحانه وهو محال ، ولأنه إن لم يعلم أنفاس أهل الجنة كان جاهلاً تعالى عن ذلك ، وإن علم لزم الانتهاء وهو بعد الفناء ، ولنا النصوص الدالة على التأبيد والعقل معها لأنها دار سلام وقدس لا خوف ولا حزن . والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله بل قيل : البؤس خير من نعيم زائل ، والكفر جريمة خالصة فجزاؤها عقوبة خالصة لا يشوبها نقص ، ومعنى : ( الأول والآخر ) ليس كما في الشاهد بل بمعنى لا ابتداء ولا انتهاء له في ذاته من غير استناد لغيره فهو الواجب القدم المستحيل العدم ، والخلق ليسوا كذلك ، فأين الشبه والعلم لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى ، وما أنفاس أهل الجنة إلا كمراتب الأعداد ؟ ! أفيقال : إن الله سبحانه لا يعلمها أو يقال إنها متناهية ، تباً للجهمية ما أجهلهم ، وأجهل منهم من قال إن الأبدان مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية معرضة للاستحالات المؤدية إلى الانحلال والانفكاك فكيف يمكن التأبيد ، وذلك لأن مدار هذا على قياس هاتيك النشأة على هذه النشأة ، وهيهات هيهات كيف يقاس ذلك العالم الكامل على عالم الكون والفساد ؟ ! على أنه إذا ثبت كونه تعالى قادراً مختاراً ولا فاعل في الوجود إلا هو فلمَ لا يجوز أن يعيد الأبدان بحيث لا تتحلل ، أو إن تحللت فلمَ لا يجوز أن يخلق بدل